نذير حمدان
76
حكمة القرآن والحضارة
إلى النبوة . . . وتوكيدها آية ( ص 2 ) من خلال حكمه العادل وحكمته في القضاء . وأخيرا فإن اللّه جعل الحكمة هبة عامة يؤتيها من يشاء من عباده ( البقرة 269 ) حيث قال صاحب التفسير الميسر : إنها معرفة أسرار القرآن والإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء في محلّه مستفيدا من قول الزمخشري . العلم والعمل وما نقله ابن كثير عن مجاهد أنها ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن ، وقال أبو العالية منبها إلى أثرها النفسي والاجتماعي : الحكمة خشية اللّه فإنّ خشية اللّه رأس كل حكمة ، وقد ورد عن مسعود مرفوعا : رأس الحكمة مخافة اللّه ، ونقل عن زيد بن أسلم قوله : الحكمة العقل ، . . ثم قال : والصحيح أن الحكمة كما قاله الجمهور : لا تختصّ بالنبوة بل هي أعمّ منها ، وأعلاها النبوة ، والرسالة أخصّ ، ولكن لاتّباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التّبع كما جاء في بعض الأحاديث « 1 » . ويناسب الرازي بين آية الحكمة هنا وما قبلها شارحا جامعا محلّلا قيمة الحكمة وجوهرها بالنفس الطويل فيقول : لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل ، نبّه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أنّ وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث أنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرّأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحسّ والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، ثم يقول المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب . . . . وبعد أن يورد أقوال ( مقاتل ) في معاني الحكمة وجوهرها والقريبة من المعاني التي ذكرها ( ابن سلام ) قال : وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ، ثم تأمّل أيها المسكين فإنه تعالى : ما أعطى إلا القليل من العلم ، قال تعالى وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( الإسراء 85 ) . . . ثم قال : والبرهان العقلي أيضا يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار متناهية المدة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة الحاصلة منها ، وذلك ينبّئك على فضيلة العلم .
--> ( 1 ) انظر الأحاديث وبقية الأقوال في تفسيره .